أبي منصور الماتريدي
313
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : المتثابتون ؛ رسخ ، بمعنى : ثبت « 1 » . وقيل : الراسخون « 2 » : [ الناتجون . يقال : رسخ في العلم : نتج فيه ] « 3 » . فإن قيل : ما الحكمة في إنزال المتشابه ؟ . قيل : إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين : يحتمل : ليعلم فضل العالم على غير العالم . ويحتمل : أن جعل عليهم طلب المراد فيه ، والفحص عما أودع فيه . وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة ؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه ؛ إذ الدار دار محنة ، وللّه أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن . وقوله : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . أي : ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) وقوله : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا فيه وجهان على المعتزلة : أحدهما : أنه أضاف الزيغ إلى نفسه ، وهو حرف مذموم عند الخلق ، إذا قيل : فلان أزاغ فلانا عن الحق ، فإذا أضاف اللّه - عزّ وجل - إلى نفسه حرف الزيغ ، دل أن فيه معنى سوى ظاهره ؛ حتى جاز إضافته إليه ، وهو أن خلق منهم فعل الزيغ ، وكذلك هذا في الضلال ، وأضاف - أيضا - الهداية إلى نفسه بقوله : بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ، فلو كان الهدى : البيان ؛ على ما يقوله المعتزلة ، لجاز أن يضاف ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ هو يملك البيان ؛ لأنه بعث مبينا معلما ، فإذا لم يجز ذلك دلّ أن فيه معنى سوى البيان وهو التوفيق والعصمة ؛ حتى جاز إضافته إليه ، ولا يجوز إلى غيره ، واللّه الموفق .
--> ( 1 ) قاله الواحدي في الوسيط ( 1 / 414 ) ، والبغوي في معالم التنزيل ( 1 / 280 ) . ( 2 ) رسخ الشيء يرسخ رسوخا : ثبت في موضعه ، والراسخ في العلم : الذي دخل فيه دخولا ثابتا . واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات اللّه وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام اللّه تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأي شيئا متشابها ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد اللّه تعالى ، علم حينئذ قطعا أن مراد اللّه شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن . ينظر : تفسير الرازي ( 7 / 154 ) . وينظر : تاج العروس ( 7 / 257 ) ( رسخ ) . ( 3 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : الناتحون ، يقال : نتح في العلم ورسخ فيه .